مرتضى الزبيدي
3
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
الجزء الأول بسم اللّه الرحمن الرحيم [ مقدمة المؤلف ] [ في بيان تأليف الكتاب ] الحمد للّه الذي أحيا بذكره قلوب عباده العارفين ، وأماط عن بواطنهم حجب الخفاء فقاموا لإحياء علوم الدين ، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد سيد الأوّلين والآخرين ، وصفوة الأنبياء والمرسلين ، وقائد الغر المحجلين ، وخلاصة اللّه من خلقه أجمعين ، وعلى آله السادة الأكرمين ، وأصحابه الغر الميامين ، وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين . وبعد فهذه تقريرات شريفة ، وتحريرات منيفة ، أمليتها على كتاب الإحيا للإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي رحمه اللّه تعالى حين سئلت في إقرائه ، مستعينا بحول اللّه شاكرا لحسن بلائه ، جانحا فيه إلى حل عباراته ، مشيرا إلى كشف الغموض عن رموزه وإشارته ، مخرجا أحاديثه على طريقة حفاظ المحدثين ، مبينا لأسانيد ما فيه من أقوال العلماء والعارفين ، ولم آل جهدا في تهذيبه وترتيبه وتسهيله وتقريبه ، ولم أتعرض للغاته ، إلا ما احتيج اليه ، ولا لبيان فائدة سوى ما عوّل عليه ، وذلك لأني لو تتبعت جميع ألفاظه الشائقة ، وإشاراته التي انتثلتها من أفكاره الفائقة ، طال الكلام ، وصعب المرام ، وكلّت دون محاولته الأفهام ، إذ مآخذه رحمه اللّه تعالى فيه بعيدة الغور استنباطا واستكشافا ، حتى كأنه يغترف من البحر المحيط اغترافا ، وأنى لمثل العاجز القاصر عن تساجله ، وحسى أن أقف لهذا البحر عند ساحله ، على أني لم أر أحدا من العلماء قديما وحديثا مع كثرة تداول هذا الكتاب بين أيديهم وتبركهم بقراءته في سائر الأقطار ، خصوصا في قطر اليمن المأنوس بالأخيار ، اعتنى بضبط ألفاظه المشكلة ، ولا فصّل بنود عقوده المجملة ، وقد شرح اللّه صدري لشرحه بإلهام ، وسعى يعبوب فكري لتحصيله باهتمام ، فجاء بحمد اللّه جامعا للشوارد ، مكملا للفوائد ، ضابطا لما أهمل ، مفصلا لما أجمل ، مبينا لما استشكل من اللغات ، مقربا لما استبهم من الإشارات ، كافلا لبيان ما فرق فيه من الأقوال ، معينا لأهل التدريس في سائر الأحوال ، بفوائد تقر بها العين ، ويقول الغائص من أين أجد مثل درره من أين ، اشتمل على فقه وحديث ورقائق ، وضوابط ودقائق ، وتاريخ وأدب ، تنسل إليه الرغبات من كل حدب ، ولست أقول ذلك لأنفق البضاعة ، بل لأشوّق أرباب الصناعة ، وأجمع على حب هذا الكتاب أهل السنة والجماعة ، وأعرف المريدين سلوك طريقه ، وأشير لهم إلى كمال تحقيقه وتدقيقه ، وأن صبح فضله طلع فاستغلظ فاستوى على سوقه ، وناداني لسان الإنصاف غير متلبث . قل وأما بنعمة ربك فحدّث فقد روى الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « إن اللّه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده » فعند ذلك قلت لا للفخر والسمعة ، بل لإبانة الحق وحسن الصنعة . إن هذا المجموع شمس عوارف المعارف ، وقمر لطائف الظرائف ، ونجم سماء العلى والناس تلقاء حرمه بين عاكف وطائف . من شاهده قال هكذا هكذا